ابن أبي الحديد

47

شرح نهج البلاغة

لو كان على هذا لوجب أن ينهى عن القراءة الحادثة ، والامر المبتدع ، ولا يحمله ما أحدث من القراءة على تحريم المتقدم بلا شبهة . وقوله : إن الامام إذا فعل ذلك ، فكأن الرسول صلى الله عليه وسلم فعله تعلل بالباطل ، وكيف يكون كما ادعى ، وهذا الاختلاف بعينه قد كان موجودا في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلو كان سبب الانتشار الزيادة في القرآن ، وفي قطعه تحصين له ، لكان عليه السلام بالنهي عن هذا الاختلاف أولى من غيره ، اللهم إلا أن يقال : حدث اختلاف لم يكن ، فقد قلنا فيه ما كفى . وأما قوله : إن عمر قد كان عزم على ذلك فمات دونه ، فما سمعناه إلا منه ، ولو فعل ذلك أي فاعل كان لكان منكرا . فأما الاعتذار عن كون إحراق المصاحف لا يكون استخفافا بالدين ، بحمله إياه على تخريب مسجد الضرار ، فبين الامرين بون بعيد ، لان البنيان إنما يكون مسجدا وبيتا لله تعالى بنية الباني وقصده ، ولولا ذلك لم يكن بعض البنيان بأن يكون مسجدا أولى من بعض ، ولما كان قصد الباني لذلك الموضع غير القربة والعبادة ، بل خلافها وضدها من الفساد والمكيدة . لم يكن في الحقيقة مسجدا ، وإن سمى بذلك مجازا على ظاهر الامر ، فهدمه لا حرج فيه ، وليس كذلك ما بين الدفتين ، لأنه كلام الله تعالى الموقر المعظم ، الذي يجب صيانته عن البذلة والاستخفاف ، فأي نسبة بين الامرين ! * * * الطعن الثامن : أنه أقدم عمار بن ياسر بالضرب ، حتى حدث به فتق ، ولهذا صار أحد من ظاهر المتظلمين من أهل الأمصار على قتله ، وكان يقول : قتلناه كافرا .